صديق الحسيني القنوجي البخاري
549
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [ النجم : 36 - 41 ] أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [ فاطر : 18 ] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] أي كما لا يحمل عليه وزر غيره كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه . قال : ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه اللّه ومن اتبعه أن القراءة لا يصل ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ، ولهذا لم يندب إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي اللّه عنهم ولو كان خيرا لسبقوا إليه وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء : فأما الدعاء والصدقة فذلك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما . وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده أو علم ينتفع به » « 1 » . فهذه الثلاثة في الحقيقة من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث : « أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وأن ولده من كسبه » « 2 » والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه ، وقد قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ [ يس : 12 ] والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس هو أيضا من سعيه وعمله . وثبت في الصحيح : « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا » « 3 » . ا ه . تفسير الإمام الشوكاني : قال رحمه اللّه عند قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] والمعنى ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله ولا ينفع أحدا عمل أحد وهذا العموم مخصص بمثل قوله سبحانه : أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطور : 21 ] وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ونحو ذلك . ولم يصب من قال : إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور ، فإن الخاص لا
--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 3 ) أخرجه مسلم في العلم حديث 16 ، وأبو داود في السنة باب 6 ، والترمذي في العلم باب 15 ، وابن ماجة في المقدمة باب 14 ، والدارمي في المقدمة باب 44 ، وأحمد في المسند 2 / 397 .